سيرة أبو فراس الحمداني

حياة أبو فراس الحمداني هو الحارث بن سعيد بن حمدان، وهو من اسرة الحمدانيين، والتي ترجع اصولها الى قبيلة تغلب، ولد ابو فراس الحمداني عام 923م/ 320هـ وعلى الارجح في مدينة الموصل في العراق، وفي ذلك الحين ترعرع في كنف امه وابن عمه القايد سيف الجمهورية الحمداني، بعد مقتل والده -حيث كان يصل حينها الثالثة من عمره- على يد ناصر الجمهورية الحمداني، الذي تمرد على الخليفة واراد ان يستقل بولاية الموصل، فارسل الخليفة سعيد بن حمدان ليوقف ناصر الجمهورية نحو حده، وليتولى امارة الموصل، الا ان ناصر الجمهورية استطاع ان يقتل عمه سعيد الحمداني ويوقف الخليفة نحو حده.[١][٢]

نشا ابو فراس يتيم الاب، فرعاه ابن عمه سيف الجمهورية الذي كان له اثر في حياة الدولة الحمدانية، التي حكمت الموصل وشمال سوريا، فقد شمله بعطفه ورعايته، حتى انه ميزه عن غيره من الناس لما اتصف به من ذكاء ونجابة واخلاق حميدة، فكان ممن ضمهم الخليفة سيف الجمهورية لبلاطه، فانمى مواهبه الادبية نتيجة لـ الطقس الذي نشا به نحو سيف الدولة، فقد كان بلاط ابن عمه يضج بالشعراء والادباء الذي كان له الاثر العظيم في نتوء موهبته الشعرية التي نافس بها شعراء عصره، كما ان سيف الجمهورية اصطحب ابو فراس الحمداني في غزواته واشركه في المواجهات التي قد كانت تقوم بين الجمهورية الحمدانية والروم من جهة، والقبايل المتمردة من ناحية اخرى، كما استخلفه على اعماله.[١][٢]

فكان ابو فراس الحمداني الامير الشاعر، الذي يقول الشعر وينافس الشعراء في اوقات السلم، ويتولى الحماية عن امارة ابن عمه سيف الجمهورية في اوقات الحرب، فقد تولى ابو فراس الحمداني امارة منبج، التي قد كانت من المدن الهامة التي يتنازع عليها بين الروم وامارة سيف الدولة، فراح يقوم بالدفاع عن امارته عكس هجمات الروم، ويضرب القبايل العربية المتمردة على حكم ابن عمه، وهكذا استطاع ان يضطلع بـ شوون امارته بشجاعة واقدام، امضى فيها اعوام يقارع الاعداء بدون كلل او ملل.[٢]

اسر ابي فراس الحمداني ووفاته

تعددت القصص في عدد مرات اسر ابي فراس الحمداني، فذكر الثعالبي في كتابه يتيمة الزمن ان الحمداني اسر مرة واحدة فحمله الروم الى مساحة تسمى خرشنه وبعدها الى القسطنطينية، وذكر ابن خلكان ان الحمداني اسر مرتين؛ مرة في منبج عندما كان وال عليها اذ حمله الروم الى القسطنطينية، ومرة عندما خانه حظه ووقع اسيرا نحو الروم في مساحة تسمى مغارة الكحل وفي ذلك الحين حمله الروم الى سجن خرشنه، حينها وجه الشاعر جملة رسايل يلوم فيها ابن عمه سيف الجمهورية على مماطلته في افتدايه، فنظم القصايد الفخمة التي عرفات بالروميات التي وصف فيها طول الاسر وتباطو ابن عمه في فكاكه.[٣]

اختلفت العوامل التي جعلت سيف الجمهورية يماطل في تحرير ابن عمه من اسر الروم، فهناك من صرح ان الروم هم من حرصوا على مكوث ابي فراس في الاسر، وهناك من صرح ان سيف الجمهورية كان خايف من طموح ابي فراس وشجاعته، وهناك عوامل اخرى اوردها النقاد في اسر الحمداني، ويمكن ان يرجح في داع بقايه كل هذه المرحلة في الاسر دون ان يحرك سيف الجمهورية ساكنا، هو خوفه من بطولات وطموح ابي فراس، والدليل على هذا انه تم افتداء ابي فراس بعد سبع اعوام من سجنه وهذا في سنة 355هـ/ 965م، فعند وفاة سيف الجمهورية الحمداني سنة 356هـ/ 966م، اراد ابو فراس تولي مدينة حمص فدارت موقعة بينه وبين ابن اخته سعد الجمهورية وهو ابن سيف الدولة، فاوفد سعد الجمهورية جيشا بقيادة قرغوية ليلاقي الحمداني ويقتله، وكان هذا في سنة 357هـ/ 969م.[٣]

روميات ابي فراس الحمداني

لابي فراس الحمداني ديوان شعر طبع ثلاث طبعات، وفي ذلك الحين طبع ديوانه اول مرة في بيروت سنة 1873م، ثم طبع في مطبعة نخلة قلفاط سنة 1900م، وفي ذلك الحين اعيدت طباعته سنة 1910م، الا ان الدكتور الدهان اعاد تحسين المخطوطات وترتيبها واثبات الاصح منها، وفي ذلك الحين اصدرها عام 1951م، ومن ابرز ما اشتهر في ديوانه هو الروميات، والتي نظمها الشاعر في اسره.[٢]

الناظر في روميات ابي فراس الحمداني، يستشعر الوجع الجلي في شعره، فيجد عاطفة سهله طفيفة تعبر عن الوجع في نفسه، حصيلة المعاملة الجافة التي تلقاها من ابن عمه سيف الدولة، فيضيق صدره وتدمع عيناه متى ما تذكر الماضي، ذلك ما جعله يتغنى بالمه للتفريج عن مصيبته. ومن ابرز ما استحضره في قصايده؛ امجاده السالفة وبطولاته التي يفحر بها، وتجده يستذكر رحمة الله بعد ان فشل في استعطاف ابن عمه في تحريره، فيذكر الله وحده الذي يمكنه ان يسارع في تفريج كربه، كما استذكر مصايب الزمن وحقيقة الحياة والموت، وقدرته على الصبر في احلك الايام واصعبها، فقال:[٢][٤]

الى الله اشكو ما ارى من عشاير
اذا ما دنونا ارتفع جاهلهم بعدا

كما اكثر الشاعر من ابيات التجرد، التي يطلب فيها الخلاص تعزية لوالدته العجوز، التي قد كانت تبكيه وتتذلل لانقاذه، فقد ادرك انها قد كانت ترجع خايبة الرجاء دون ان يسمعها احد، فتتغلب عليها عاطفتها بالبكاء دون ان استلم جوابا يطفي نار قلبها، فيقول:[٢][١]

وان، وراء الستر، اما بكاوها
علي، وان طال الزمان، طويل!

كما يتضح الحمداني تململه في رومياته، فيوجه اشعاره الى امه واصدقايه وابن عمه بطريقة يمتزج بعواطف الشوق، والحزن، والمناجاة، والشكوى، ويذكر ان السجن لم يوثر في ذاته لكن زاده هذا شجاعة واقدام، وانما ما كان يولمه هو تخلي الاصدقاء عنه، وشماتة الاخرين به، بل تلك الشماتة وهذا الحسد كان يواجههما بشخصية ثابتة قوية قادرة على النهوض في وجههم جميعا، بفخر واعتزاز بنفسه بطابع من الحكمة التي علمته اياها الحياة، فيقول:[٢]

لمن جاهد الحساد اجر المجاهد
واعجز ما حاولت ارضاء حاسد
و لم ار مثلي هذا النهار اكثر حاسدا؛
كان قلوب الناس لي قلب واجد
الم ير ذلك الناس غيري فاضلا؟
ولم يظفر الحساد قبلي بماجد؟!

كما ان موت والدة الشاعر جعلت ذاته تذوب حسرة والم عليها، فخاطب سيف الجمهورية بقصيدة موثرة، صرح في مطلعها:[١]

ايا ام الاسير ، سقاك غيث،
بكره منك، ما لقي الاسير!
ايا ام الاسير ، سقاك غيث،
تحير، لا يقيم ولا يسير!
ايا ام الاسير ، سقاك غيث،
الى من بالفدا ياتي البشير؟

شاهد أيضاً

معلومات عن تشكيل الضباب

تعرف على تشكيل الضباب  من الظواهر الطبيعية التي تتم على سطح ذلك الكوكب ظاهرة الضباب …